تونس تدعو للتراجع عن اتفاقية «سيداو» المتعلقة بإلغاء التمييز ضد المرأة

 

تعترض حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي وبقية التيارات الإسلامية على اتفاقية «سيداو» المتعلقة بإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة وتعتبرها مخالفة للهوية العربية الإسلامية المميزة للمجتمع التونسي ومعارضة للفصل الأول من الدستور التونسي وتنادي بضرورة مراجعتها. وتثير هذه المعاهدة الدولية جدلا واسعا بين القيادات السياسية التي يرى قسم منها أنها تتماشى مع ما عرفته تونس من دعوات لتحرير المرأة وما ميزها منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي من إقرار لقانون الأحوال الشخصية، وتطالب تبعا لذلك برفع كل التحفظات عن تلك المعاهدة التي أقرتها حكومة الباجي قائد السبسي وفؤاد المبزع الرئيس التونسي السابق ورفعت عنها كل أشكال التحفظ.
ويرى قسم ثان من التونسيين مكونا خاصة من التيارات الإسلامية، أن تلك المعاهدة تثير مخاوف كثيرة لدعوتها الصريحة إلى المساواة في الإرث بين الجنسين والعدة والمهر والقوامة والحرية الجنسية وإعطاء الحق للمرأة في تقديم شكوى ضد زوجها بتهمة الاغتصاب ومعاملته كإنسان أجنبي عن الزوجة، وتعتبر أن هذه الحقوق تهدد الكيان الأسري.
وفي هذا الشأن، قالت هاجر اللومي عضو بالمجلس التأسيسي (البرلمان) عن حركة النهضة إن «رفع التحفظات عن اتفاقية (سيداو) يمثل خطا أحمر لا يمكن الاقتراب منه وأن مطالبة فئة ضيقة من التونسيات بهذا الحق، مخالفة للنصوص الشرعية خاصة فيما تعلق بالمساواة في الإرث» وقالت إن «التراجع عن تلك الاتفاقية أمر ضروري وذلك بالنظر لانتماء المرأة التونسية لمجتمع عربي إسلامي له ثقافته ومميزاته».
وأشارت إلى أن التحفظ على بعض فصول تلك الاتفاقية لا يمثل البتة تراجعا عن مفاهيم الحداثة أو حرية المرأة.
وتتهم أطراف إسلامية حكومة الباجي قائد السبسي بتوريط تونس في هذه الاتفاقية بعد استجابتها لاحتجاجات نسائية تونسية نظمت بساحة القصبة بالعاصمة التونسية يوم 16 أغسطس (آب) 2011 وهو ما دفع الحكومة إلى تمرير المشروع في غفلة من التونسيين وإقراره من قبلها وإمضاء فؤاد المبزع الرئيس التونسي السابق على نص المعاهدة يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2011. إلا أن تلك الانتقادات ترد عليها أطراف نسائية حداثية بأنها تتماشى وروح العصر وهي تكفل للمرأة التونسية تطورها وتقدمها وضمان القضاء على كل أشكال التمييز والتحيز للذكور كما أنها تضمن للمرأة حقها في ممارسة حقها السياسي في الترشح والانتخاب والمشاركة الفعالة في صياغة السياسات الحكومية.
حول هذا الجدل الدائر وإمكانية خضوع هذه الاتفاقية للمراجعة على الرغم من إقرارها من قبل الحكومة ورئاسة الدولة التونسية، قال قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية لـ«الشرق الأوسط» إن قرار رفع التحفظات عن جميع فصول اتفاقية «سيداو» قانوني وهو يحظى بالشرعية القانونية وذلك وفق القانون المنظم للسلطات العمومية (الدستور الصغير) الذي خول لرئيس الجمهورية إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية والمصادقة على القوانين. ويرى سعيد أن الإشكال قد يكون سياسيا ذلك أن ذاك القرار قد اتخذ من قبل مؤسسات مؤقتة وكان بالإمكان الانتظار إلى حد إجراء انتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان) ومن ثم عرضها على المؤسسات الشرعية.
واعتبر أن اتفاقية «سيداو» مثلت مسألة خلافية داخل المجتمع التونسي ولم يتجرأ النظام السياسي في عهد بورقيبة ولا الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي على رفع تلك التحفظات وخصوصا الفصلين 15و16 المثيرين للجدل. وأشار سعيد إلى أن الحكومة الحالية بإمكانها نقض هذه المعاهدة وصياغة نفس التحفظات وذلك بالرجوع إلى المعاهدات الدولية وخصوصا معاهدة «فيانا». وحول المعارضة الصريحة لفصول الاتفاقية مع الفصل الأول من الدستور، قال سعيد إن علوية الدستور التونسي تمكنه من الناحية القانونية من تجاوز كل الاتفاقيات أو المعاهدات أو المواثيق الدولية في صورة تعارضها مع الدستور.
ومن ناحيتها أشارت سلمى بكار عضو البرلمان عن المسار الديمقراطي الاجتماعي المعارض لـ«الشرق الأوسط»، إلى مطالبتها برفع كل التحفظات على تلك الاتفاقية لتثبيت مكتسبات المرأة التونسية وضمان أكبر قدر ممكن من المساواة بين الجنسين. وأشارت إلى أن نقاطا خلافية أخرى على غرار الحرية الجنسية لا يمكن الدفاع عنها وأن التيارات الحداثية بريئة منها.

التعليقات