ممثلات عراقيات يعبّرن في المسرح عن حزن وأهوال الحرب

 
العرض الأوّل لمسرحية " تسعة أجزاء للرغبة" في العراق لهيثر رافو يطرق من جديد باب ذكريات الحرب المؤلمة. فبالنسبة للممثلات والجمهور والمؤلفة المسرحية هذه فرصة لمواجهة الماضي معاً، في مكان آمن، وتشارك منافع الشفاء من خلال تنفيس وتطهير العواطف.
 
 صور وجوه تمرّ وكأنّها تضرب الجدار بشكل إيقاعي. ليا الحريري تنادي أسماءهم الـ46، الواحد تلو الآخر، والدموع تنهمر من عينيها.
هذه الفتاة البالغة 18 عاماً كانت تقف على المسرح للمرة الأولى تلعب دور فتاة أميركية عراقية، بعيدة عن تفجير بغداد عام 1991، تستحضر أسماء أفراد أسرتها العراقية.
الحريري هي من بين خمس ممثلات ظهرن في العرض الأوّل في العراق لمسرحية " تسعة أجزاء للرغبة" في 28 ابريل تتناول قصص نساء عراقيات. والمسرحية للمؤلفة هيثر رافو. وأخبرت الشخصيات في المسرحية قصص امرأة مطلقة تبحث عن الحب، وأمّاً خسرت ابنتها في غارة للقوات الأميركية، وطبيبة تعالج الأمراض المرتبطة باليورانيوم المنضب، ومثقفة ناشطة سياسياً في المنفى.
تمّ تأليف المسرحية في العام 2003، وعُرضت لأوّل مرة في العالم في ادينبرغ، اسكتلندا. في البداية، رفضتها الشركات المسؤولة عن المسارح بسبب حساسية القضايا حتى العام 2004 عندما بيعت كلّ التذاكر لمدة تسعة أشهر في مدينة نيويورك. ويستمر عرضها منذ ذلك الوقت في كافة أنحاء العالم.
أمّا في العراق، فليس من السهل سماع قصص مماثلة والتحدث عنها أو تمثيلها – من قبل ممثلات كرديات وعربيات – في بلد نظامه بطريركي شوهته الأهوال من أجيال الحرب. ولكنّ المسرحية ساهمت بتنفيس العواطف بشكل قوي للكاتبة المسرحية والممثلات.
جلست رافو في الصف الأمامي داخل مسرح يتسّع لحوالى 300 شخصاً لمشاهدة الشابات يؤدين المسرحية في بلد المنشأ. ضحكت وبكت وفي مرات كثيرة غطّت وجهها بيديها كما لو أنّها تخفّف مجموعة الأحاسيس خلال المسرحية.
دموع ليا الحريري لم تكن جزءاً من النص المسرحي المكتوب. فقد تحوّل الحزن في الدور الذي تلعبه في المسرحية إلى حزن شخصي عميق بعد أن استرجعت ذكريات فقدان أشخاص تحبّهم منذ العام 2003.
وأشارت في مقابلة بعد انتهاء المسرحية إلى أنّها  "استرجعت ذاك الشعور الذي تحس به عند فقدانك شخصاً ما، أو عندما لا تعرف ما سيحصل لهم. الأمر يدفعك إلى الجنون".
وقالت الممثلات وهنّ طالبات من الجامعة الأميركية في السليمانية إنّ التمارين على مدى ثلاثة أشهر جعلتهن قريبات من بعضهن البعض ومن ماضيهن وهوياتهن المعقدة.
 
" لا يتذكرن الأحداث لصغر سنّهن"
 
 
كانت الفتيات الثلاث صغيرات في العام 2003، ولا يتذكّرن الصدمة النفسية والأذى نتيجة العقوبات والحروب السابقة. ولكنّ هذا الأمر لم يهمّهن.
ليا الحريري قالت" أشعر وكأنّنا شهدنا على كلّ الحروب التي حصلت للعراق".
لقد أصبح الخطر والعنف والموت جزءاً من النسيج الثقافي، ويحدّد أنماط اللغة. فعندما تخرج الحريري من البيت في بغداد تتكرّر دائماً العبارات التالية عندما تترك أصدقاءها:" لا نقول " إلى الغد، بل اتصلي عند الوصول إلى المنزل. ما زلت أشعر بهذا الخوف. أخشى من احتمال خسارة أحبائي".
ترعرعت الحريري في بغداد قبل أن تبدأ دراستها الجامعية في السليمانية. وعاشت خلال الحرب في شارع حيفا المعروف بـ" شارع الموت" حيث شكّلت الجثث الجديدة على الأرض بين المباني مشهداً مألوفاً.
النساء الخمسة في  المسرحية شكّلن بحدّ ذاتهن عالماً مصغراً عن العراق: خليط من الكرديات والعربيات.
ميرنا بسام العطار هي إحدى الممثلات في المسرحية، تبلغ 21 عاماً ترعرعت في بغداد ولكنّها غادرت وهي في سن العاشرة قبل العام 2003. بعض زملائها الأكراد نظروا إليها بغضب لاختلاطها مع العرب. وأوضحت أنّ " ما حصل لم يكن بسبب العرب. ما حصل كان بسبب صدام"، مشيرة إلى عمليات القتل والترحيل المنهجية والمنظمة ضدّ الأكراد في فترة النظام السابق. وتابعت " أعتقد أنّه من الأفضل أن يتعلّم الناس السير قدماً إذ لدينا مشاكل أكبر نفكر بها".
الممثلات اللواتي عشن في المنطقة الكردية الأكثر أماناً وجدن أنفسهن أمام حالة انفصال عن الوقائع في بغداد. كازو محسن البالغة 20 عاماً لم تختبر القصص التي ذكرت في المسرحية أو حتى التي تروى من قبل أسرتها الكردية.
وقالت" معظم الناس الذين أعرفهم يقولون " تعيد ذكريات سيئة لا أريد سماعها". ولكن بالنسبة إليها، أعادت المسرحية إحياء قصص الحياة وجعلتها تقدّر ثروتها الجيدة نسبياً والمعاناة التي تواجهها نساء كثيرات.  
 
ليالٍ طويلة من الأرق
تستند شخصيتها في المسرحية بشكل كبير على فنانة عراقية رسمت آلاف اللوحات لصدام حسين ولكن أحاطت بها الشائعات بأنّ العديد من العلاقات الجنسية ساهمت بنجاحها.
وتصرخ موشين على المسرح عبارة " عاهرة"، وهذه الكلمة وحدها سبّبت لها ليالٍ طويلة من الأرق. خشيت أن تُنبذ من المجتمع للفظ هذه الكلمة بصوت عالٍ أمام الجمهور. ولكنّ الجمهور فهم، وعلا التصفيق عند انتهاء مشهدها القوي.
وقالت موشين:" ربطوا شجاعتها بي. لقد جعلتني أكثر قوة".
بالنسبة إلى بعض الممثلات، على غرار منة الله عامر، ساعدت المسرحية على معالجة صدماتها. وكانت تحلم في طفولتها في بغداد بالعيش في " ديزني لاند" حيث كلّ الأشياء " لامعة" وسعيدة. ورغم محاولة والديها إبعادها قدر المستطاع عن الحرب إلا أنّها شعرت بالضغوط وسمعت صفارات الإنذار وكادت أن تُقتل في إحدى التفجيرات. الكابوس بلغ أوجه عند خطف شقيقها. ورغم إطلاقه بعد يومين إلا أنّ ذلك الأمر ترك جرحاً كبيراً لمدى الحياة. المسرحية حملت الألم الذي لطالما حاولت الهروب منه.  
وقالت عامر البالغة 20 عاماً:" بدأت أقبل ماضيي. رغم محاولتنا نسيانه، إلا أنّنا نواجهه في مرحلة معينة. الاعتراف بذلك هو هويتنا".
أمّا الممثلة سحر جمال البالغة 22 عاماً فأشارت إلى أنّ المسرحية شكّلت منصة وثب لها كي تكون امرأة أكثر نشاطاً، وساعدت على تسهيل الحوار. وأوضحت أنّ " قوة المجتمع ستُسمدّ من وجود كلّ الأنواع الاجتماعية فيه وهي تعمل مع بعضها البعض".
وعند إسدال الستارة، علا التصفيق بعد الصمت، وصعدت رافو إلى المسرح وسط عناق كبير من قبل الطالبات اللواتي تحوّلن إلى بطلات.
وختمت رافو بالقول:" ما اكتشفته هنا هو أنّ أصواتهن أصبحت أكثر قوة. أشعر وكأنّي " مهّدت الطريق". سمحت للنهج الذي لطالما حلمت بحصوله بأن يتحقق. نهج يقضي بأن يتحدث العراقيون إلى بعضهم البعض".
 
 
 
 

التعليقات